في كل جهة تقريبًا وثيقة اسمها «الخطة الاستراتيجية». مطبوعة بعناية، فيها رؤية ورسالة وأهداف مرقّمة، وربما اجتماع افتُتحت به. وبعد سنتين، إن سألت موظفًا في المستوى التنفيذي عن بند واحد فيها، غالبًا لن يتذكّر. السؤال الذي يستحق الطرح ليس «لماذا لم تُنفّذ؟» بل: ما الذي كان معروفًا منذ البداية وتجاهلناه؟
أولًا: الخطة تفترض استقرارًا غير موجود
الخطة الاستراتيجية بطبيعتها بعيدة المدى، خمس سنوات فأكثر. وهذا يعني أنها بُنيت على افتراضات عن بيئة ستبقى كما هي. لكن البيئة لا تبقى. تتغيّر الأنظمة، وتتبدّل الأولويات الحكومية، وتظهر تقنيات تعيد تشكيل طريقة العمل كلها. النتيجة أن الخطة تواجه واقعًا جديدًا يختلف عن الواقع الذي بُنيت عليه، فتتعثّر، وربما تفشل. ما الذي يُفترض فعله؟ ليس التخلّي عن التخطيط بعيد المدى، بل بناء مراجعة دورية داخل الخطة نفسها. خطة لا تُراجَع سنويًا هي وثيقة تاريخية لا أداة إدارية.
ثانيًا: الإيمان بالتخطيط شيء، والقدرة عليه شيء آخر
إدارة مقتنعة تمامًا بأهمية التخطيط الاستراتيجي وضرورته، لكنها لا تملك مقوّمات وضع الخطة وتحديد أهدافها وترجمتها إلى خطة تنفيذية. وهنا يقع الخطأ الشائع: الاستعانة بجهة خارجية تكتب الخطة. الجهة الخارجية قد تكتب وثيقة ممتازة. لكن الخطة في نهاية الأمر تعبّر عن إمكانيات المؤسسة الذاتية، وإن لم تملك المؤسسة القدرة على تنفيذها، فلن ينفّذها أحد نيابةً عنها.
ثالثًا: من تعوّد على طريقة، يقاوم تغييرها
أول ما يفعله التخطيط الاستراتيجي أنه يُحدث تغييرًا. سياسات جديدة، إجراءات مختلفة، أحيانًا إعادة توزيع للصلاحيات. ومن اعتاد الإجراءات القائمة لسنوات سيقاوم. لا بالضرورة بالاعتراض الصريح، بل بما هو أصعب: الالتزام الشكلي مع الاستمرار في الطريقة القديمة. المقاومة الصامتة لا تظهر في محاضر الاجتماعات، لكنها تُفرغ الخطة من مضمونها بهدوء.
رابعًا: خطة بلا ميزانية مكتوبة
أي خطة، مهما كان طموحها وحسن صياغتها، ستصطدم بعقبة الموارد المالية. والمشكلة ليست في نقص المال بالضرورة، بل في تأجيل السؤال. كثيرون يكتبون الأهداف أولًا ثم يبحثون عن التمويل. والأصحّ أن يُفكّر في الموارد منذ البداية، لأن الخطة التي لا تُغطّى نفقاتها تتوقّف، وتوقّفها يعني فشلها.
خامسًا: لا أحد يعرف من المسؤول بالضبط
حين لا تُوزّع المسؤوليات والصلاحيات على المستويات الإدارية بوضوح، وحين لا يكون الهيكل التنظيمي مهيّأً لعمل استراتيجي، تصبح الخطة مسؤولية الجميع. وما هو مسؤولية الجميع لا ينفّذه أحد. الاختبار بسيط: خذ هدفًا واحدًا من خطتك، واسأل من صاحبه؟ إن كانت الإجابة اسم إدارة لا اسم شخص، فالهدف بلا مالك.
سادسًا: العاجل يأكل المهم
هذه أكثر العقبات شيوعًا وأقلها اعترافًا بها. القيادات العليا منشغلة بالمشكلات الروتينية اليومية. المعاملة العاجلة، والاجتماع الطارئ، والشكوى التي وصلت من جهة أخرى. كل واحدة منها تبدو ضرورية في لحظتها. والنتيجة أن الاهتمام الأول يذهب للأعمال اليومية، وتبقى المسائل الاستراتيجية التي تنهض بالمؤسسة فعلًا في آخر القائمة. لا يُحلّ هذا بالنية الحسنة. يُحلّ بحجز وقت ثابت في التقويم لا يُلغى.
سابعًا: خطة بلا بيانات
الخطة الاستراتيجية تقوم على دراسة الماضي والحاضر والتنبّؤ بالمستقبل، داخليًا وخارجيًا. ولكي تكون هذه الأسس صحيحة، لا بدّ من بيانات ومعلومات كافية. كثير من الخطط مبنية على انطباعات لا أرقام. تبدو مقنعة في العرض التقديمي، ثم تنهار عند أول اختبار واقعي.
ثامنًا: الاعتقاد بأن التخطيط للأزمات فقط
يسود اعتقاد بأن التخطيط الاستراتيجي عمل يُلجأ إليه لمواجهة الأزمات. وهذا اعتقاد خاطئ يقلّل من أهمية التخطيط ويقلّص دوره في تطوير المؤسسة ونجاحها. التخطيط الاستراتيجي أسلوب لكل الظروف. المؤسسة التي لا تخطّط إلا حين تتعثّر، تخطّط دائمًا متأخرة.
والخلاصة
لاحظ أن العقبات الثماني ليست فنية. لا واحدة منها تتعلّق بأسلوب كتابة الخطة أو نموذجها. كلها تتعلّق بالاستعداد المؤسسي: هل نملك القدرة؟ هل حدّدنا المسؤول؟ هل خصّصنا الوقت والمال؟ هل نملك البيانات؟ الخطة الجيدة التي تُوضع في مؤسسة غير مستعدّة تفشل. والخطة المتوسطة في مؤسسة مستعدّة تنجح. فإن كنت على وشك بدء خطة استراتيجية، ابدأ بسؤال أصعب من «ما أهدافنا؟»: ما العقبات الثماني التي تنطبق علينا اليوم؟ وماذا سنفعل حيالها قبل أن نكتب الهدف الأول؟
يتناول برنامج «التخطيط الاستراتيجي والتشغيلي» في معهد القادة الدولية للتدريب الأهلي هذه المحاور عمليًا، من صياغة الخطة إلى ترجمتها إلى خطط تشغيلية قابلة للتنفيذ والقياس.


