في كثير من الجهات مدير يُشار إليه بالإعجاب: «هذا رجل يعرف كل شيء عن قسمه». يعرف تفاصيل كل ملف، ويُسأل في كل صغيرة، ويحضر كل اجتماع. ولا يمضي قرار دون أن يمرّ عليه. يبدو هذا مديرًا مثاليًا. وهو في الحقيقة نقطة فشل واحدة في مؤسسة كاملة.
الاختبار الذي يكشف الحقيقة
اسأل نفسك سؤالًا واحدًا: لو غاب هذا المدير أسبوعين، كم قرارًا سيتوقّف؟ إن كانت الإجابة «كثير»، فالمشكلة ليست في غيابه. المشكلة في أنه بنى قسمًا لا يعمل إلا به.
كيف يحدث هذا؟
الأمر لا يحدث بقرار. يحدث تدريجيًا، وبنوايا حسنة تمامًا. يبدأ بأن المدير أسرع. الموظف سيحتاج ساعتين لإنجاز ما ينجزه المدير في عشرين دقيقة. فيتولّاه بنفسه توفيرًا للوقت. ثم يصبح أدقّ. الموظف قد يخطئ، والمدير لن يخطئ. فيراجع كل شيء بنفسه. ثم يصبح أسهل. الموظف سيسأل ويحتاج توضيحًا ومتابعة. والقيام بالمهمة مباشرةً أقلّ عناءً من شرحها. وبعد سنة، يجد المدير نفسه يعمل اثنتي عشرة ساعة يوميًا — وفريقه ينتظر تعليماته. والمفارقة أن الجميع يراه مجتهدًا.
الثمن الذي يُدفع بصمت
أولًا: الفريق يتوقّف عن التفكير. حين يعرف الموظف أن كل قرار سيُراجَع ويُعدّل، يتوقّف عن بذل الجهد في القرار أصلًا. النتيجة ليست موظفين كسالى، بل موظفين تعلّموا أن التفكير غير مطلوب منهم. ثانيًا: المدير يفقد وقته الاستراتيجي. من ينشغل بالتفاصيل اليومية لا يبقى لديه وقت للأسئلة الكبرى: إلى أين يتجه القسم؟ ما الذي يجب تغييره؟ ثالثًا: المؤسسة تفقد صفّها الثاني. القسم الذي يديره شخص واحد لا يُنتج قادة. وحين يُرقّى هذا المدير أو ينتقل، لا يجد من يخلفه.
«لكن الموظفين فعلًا لا يستطيعون»
هذا الاعتراض يُطرح دائمًا، وفيه شيء من الصدق أحيانًا. لكن السؤال المقابل أهم: ومتى كانت آخر مرة أُتيح لهم فيها أن يحاولوا؟ القدرة لا تُكتسب بالمشاهدة. الموظف الذي لم يتخذ قرارًا قط لن يتعلّم اتخاذ القرارات بمراقبة مديره وهو يتخذها. ومن يمنع الممارسة يصنع العجز الذي يشتكي منه.
ماذا يفعل المدير الذي أدرك؟
ابدأ بمهمة واحدة. لا تُفوّض كل شيء دفعة واحدة — ذلك يربك الفريق. اختر مهمة متكرّرة واحدة، وفوّضها كاملةً: القرار والتنفيذ والمسؤولية. فوّض النتيجة لا الخطوات. «اعمل التقرير بالطريقة دي» تشغيل عن بُعد. أما «أريد تقريرًا يوضّح كذا بحلول الخميس» فهو تفويض — يترك مساحة للموظف أن يفكّر. اقبل أن تكون النتيجة أقلّ جودة أول مرة. هذا ثمن التعلّم لا دليل الفشل. والمدير الذي يتدخل عند أول قصور يُعلّم فريقه أن التفويض كان مؤقتًا. اسأل بدل أن تُجيب. حين يأتيك موظف بسؤال، اسأله: «وأنت ما رأيك؟» في المرات الأولى سيتلعثم. وبعد شهر، سيأتيك ومعه رأي. وبعد ثلاثة أشهر، لن يأتي إلا في ما يستحق. حدّد نقطة مراجعة لا متابعة مستمرة. الفرق بين «كيف الأمور؟» كل ساعتين، و«نراجع يوم الأحد» — هو الفرق بين مدير يراقب ومدير يثق.
المؤشر الذي يقيس تقدّمك
بعد ثلاثة أشهر من التفويض الفعلي، اسأل نفسك السؤال نفسه: لو غبت أسبوعين، كم قرارًا سيتوقّف؟ إن نقص العدد، فأنت تبني فريقًا. وإن بقي كما هو، فأنت ما زلت تبني اعتمادًا عليك.
وفي الختام
القائد لا يُقاس بما ينجزه بنفسه، بل بما يستطيع فريقه إنجازه بدونه. والمدير الذي يعرف كل شيء ليس بالضرورة مديرًا ناجحًا — قد يكون فقط مديرًا لم يترك لأحد فرصة أن يعرف.
السؤال الذي يستحق أن تحمله معك اليوم: ما المهمة الواحدة التي ما زلت تؤدّيها بنفسك، ويستطيع شخص في فريقك أن يتعلّمها خلال شهر؟ ابدأ بها.
يتناول برنامج «القائد الجديد» في معهد القادة الدولية للتدريب الأهلي مهارات التفويض والتغذية الراجعة عمليًا، لمن انتقل حديثًا إلى موقع إشرافي.


